محمد أبو زهرة
294
المعجزة الكبرى القرآن
معجزة الإيجاد من غير أب بمعجزات أخرى ، أو بخوارق عادات أخرى ، أولها الرطب الجنى من النخل بهزه ، ومناداته لها ، وهو في المهد ، وحديثه في المهد حديث الحكماء ، فكل هذه خوارق للأسباب والمسببات تدل على أن الإيجاد والتصوير والتربية كلها بإرادة اللّه العليم الحكيم خالق كل شئ ، ومنها الأسباب والمسببات . تعالى اللّه علوا كبيرا . ومعجزاته عليه السلام من هذا القبيل الذي هو تحد حسى للأسباب والمسببات ، فقد قال تعالى بعد أن بعثه رسولا للّه رحمة للعالمين : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 ) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) . [ آل عمران : 48 - 51 ] هذه دعوة عيسى عليه السلام ، وفيها البينات الدالة على رسالته ، بما هو خرق حسى واضح يرى بالعين ، وليس خفيا يدرك بالمعنى ، هو يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى ، والأبرص الذي عجز الطب إلى الآن عن إبرائه ، وهو فوق ذلك يحيى الموتى بإذن اللّه بالفعل لا بمجرد الإمكان كما ادعى بعض المفسرين ، وهو روحاني ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم . وهل يسير كل هذا على قانون الأسباب والمسببات ، لكي نقول ما يقوله الفلاسفة يجب أن نلغى حكم العقول ، وبدهيات المدارك . وقد ذكر سبحانه وتعالى معجزات أخرى في آخر سورة المائدة ، فقد قال تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 109 ) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 110 ) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا